top of page

أُمومة في زمن الأحداث الصّادمة, مجد سليمان عيسى

  • nonaorbach
  • לפני 6 ימים
  • זמן קריאה 5 דקות
ree


رحلة بين البيت والغرفة العلاجيّة


معالجة بالفنون التّشكيليّة، ومرشدة للمعالجين بالفنون، زوجة وشريكة، وأمّ لثلاثة أطفال.

أتنقّل بين فضاءات الحياة والعلاج كما أتنقّل بين الألوان والخطوط؛ ففي كل لقاء أكتشف تداخُل الأدوار بين الأم والمعالجة، بين الإصغاء الذي يمنح الأمان، والخيال الذي يفتح أفقًا جديدًا للفهم.

أؤمن أنّ الفنّ ليس ترفًا جماليًّا، بل وسيلة للبقاء، ومساحة آمنة للتّعبير عمّا يتجاوز الّلغة. الفن، في جوهره، لغة حوارٍ صامتة بين الإنسان وذاته، تُتيح للطّفل وللرّاشد معًا أن يُعيدَا تنظيم العالم من حولهما بخطٍّ أو لونٍ أو شكل.


بهذا المعنى، لا أفصل بين الأمومة والعلاج؛ فكلاهما مساحة للرّؤية، للحضور، ولإعادة التكوّن.


مقدّمة

أكتب هذا المقال كأمّ ومعالجة بالفنون التّشكيلية، تنتقل يوميًا بين عالميّ الأمومة والغرفة العلاجيّة. في الغرفة، أُصغي إلى قصصٍ متنوّعة لأطفال وراشدين يواجهون أحداثًا مؤلمة ومربكة: فقدان، خوف، عنف، أو قلق مستمر. أرافقهم في محاولاتهم لإعادة ترتيب العالم من حولهم بالألوان، بالمواد، وبالخيال (Jabr, 2019).

أما في البيت، فأواجه تحدّيات الأمومة بكل ما تحمله من مشاعرٍ متناقضة: القوّة والضعف، الرّغبة في الحماية، والبحث عن مساحة تنفّس وسط واقع مضغوط بالأحداث. هكذا تنتقل يوميًا بين الإصغاء للآخرين والإصغاء لذاتها، وبين محاولة احتواء آلامهم واحتواء أولادها.

عندما أنظر إلى أطفالي اليوم، أشعر أنّ كلّ واحد منهم غيّر فيّ شيئًا عميقًا. كل طفل جاء ومعه لون جديد أضافه إلى حياتي، حتى أصبحت لوحتي أنا نفسي مختلفة، مليئة بتدرّجات ما كنتُ أعرفها من قبل.

هذه التّحوّلات جعلتني أتساءل: هل تغيّر كلّ واحدٍ من أطفالي لأنّني أنا تغيّرت معه؟ أم أنّ كلّ طفلٍ منهم يحمل ما يجعلني أكتشف في نفسي أمًّا جديدة في كلّ مرّة؟


الأمومة في ظل الأزمات – بين الفردي والجماعي

الحروب، الأوبئة، والعنف المتكرّر جعلت من البيت مدرسة، مكتبًا، وغرفة علاجيّة في آن واحد. لم يعد الفصل بين الأدوار ممكنًا. الأمومة أصبحت معركة يوميّة من أجل البّقاء النّفسي. كيف نوازن بين الاحتياجات اليوميّة وبين حماية أنفسنا وأطفالنا من تراكمات الأزمان والأحداث الصّادمة؟

في مجتمعنا العربي الفلسطيني داخل إسرائيل، الفرد مرتبط بشبكة اجتماعيّة وثقافيّة ممتدّة؛ فالأزمات الفرديّة ليست أحداثًا معزولة، بل امتداد لذاكرة جماعيّة مثقلة: النّكبة، الانتفاضات، والأزمات السياسيّة المتكرّرة (Al-Krenawi, 2016). كل فرد يعيش تأثير هذه الأحداث على مستوى شخصي وعائلي، حتى لو لم تظهر آثارها بشكل مباشر. لكنّنا نادرًا ما نتلقّى مرافقة علاجيّة كأهل، ونادرًا ما نجد مساحة آمنة للتّعبير عن هذا الثّقل. نخشى أحيانًا التّعبير عن مشاعرنا خوفًا من أن يُساء فهمنا، أو أن يُتّهم أحدنا بعدم الولاء لمجتمعنا أو لهويّتنا. وهكذا نستمر في حمل صراعاتنا بصمت، ممّا يزيد تعقيد الأمومة ويجعل حماية الأطفال ومرافقتهم النّفسيّة تحديًا يوميًا في ظل هذه الضّغوط المتراكمة.


العنف والجريمة – أعباء إضافية على الوالديّة

لا يمكن الحديث عن التّربية دون التطرّق إلى ظاهرة العنف والجريمة الّتي تضرب المجتمع العربي الفلسطيني داخل البلاد. حالة الخوف من المجهول، من الشّارع، ومن الأخبار اليّوميّة، تجعل الأمان مطلبًا صعب المنال. كيف يمكن لأم أو أب أن يمنحا أبناءهم شعورًا بالأمان الدّاخلي في واقع يفتقد الأمان الخارجي؟

هنا يتحوّل القلق إلى قلق مزمن، وتتضاعف أدوار الوالدان اللّذان لم يتلقّا التّأهيل لمثل هذه التّحدّيات (Haj-Yahia, 2000).


العلاج بواسطة الفنون

يوفّر العلاج بواسطة الفنون لغة بديلة للتّعبير عن المشاعر والأفكار التي يصعب قولها بالكلام. يستخدم الأطفال والوالدان أدوات مختلفة مثل الرّسم، التّلوين، الطّين، الحركة أو الموسيقى ليكشفوا عن مشاعرهم الدّاخليّة: الخوف، الغضب، الحزن، أو حتى الأمل والأحلام (Lustig et al., 2024). العلاج بالفنون لا يهدف فقط إلى الإبداع الجمالي، بل يسمح للطّفل أو الوالد بالتّواصل مع نفسه ومع الآخرين بطريقة آمنة، وتقديم مساحة للتّنفيس، الاستكشاف، والفهم العميق للمشاعر.


أمثلة عملية:

· طفل يبلغ ثماني سنوات رسم بيتًا بلا أبواب، وقال: عشان محدا يفوت ويخوّفنا”. كان هذا الرّسم وسيلة للتّعبير عن شعوره بعدم الأمان وفتح باب للحوار حول الخوف والحدود.

· طفلة اختارت أن تصنع قناعًا من الورق المقوّى، وقالت وهي تلوّنه:  هيك ما حدا يعرف إني بخاف. سمح لها القناع بالتّعبير عن مخاوفها بطريقة آمنة، وخلق مساحة للّعب والتّفريغ النّفسي في الوقت ذاته.

بهذه الطّريقة، يتحوّل الفن إلى أداة للتّواصل، للحماية النّفسيّة، ولتعليم الأطفال والوالدين التعّامل مع المشاعر الصّعبة بطريقة إبداعيّة وآمنة.

 

الأطر التعليمية – أطر وظيفيّة أم بيئات حصانة جسديّة ونفسيّة؟

الأطر التّعليميّة – التّربويّة تشكّل مساحة لنموّ الأطفال وتطوّرهم، إلاّ أنّها في المجتمع العربي غالبًا ما تُنظر إليها على أنّها مجرد أداة وظيفيّة لدعم عمل الوالدان. المواد التّعليميّة غالبًا لا تلبّي احتياجات الحياة الواقعيّة، مثل تنمية مهارات الاستقلاليّة، مواجهة الأزمات والصّدمات، أو تطوير القدرة على التّحليل وفهم المواقف المعقّدة واتّخاذ قرارات واعية (Al-Krenawi, 2016).

في أوقات الأزمات، تتضاعف مسؤوليّات الوالدان، وهم في الأساس لم يتلقّوا تدريبًا تربويًّا لمواجهة هذه الأدوار. لذلك يصبح تصميم مدرسة تستجيب للواقع النّفسي والاجتماعي للطّفل، وتُعزّز قدراته على إدارة مشاعره، اتّخاذ القرارات، وحلّ المشكلات الحياتيّة، أمرًا ضروريًا.


اللّغة – جسر وهويّة

اللّغة العربيّة ليست مجرّد أداة للتّواصل، بل ثقافة وذاكرة وأداة شعوريّة. المجتمع العربي الفلسطيني داخل إسرائيل أقليّة لا تتجاوز 20% من السّكان، ولغتنا ليست لغة الدّولة، ما يزيد تعقيد الحفاظ على الهويّة العربيّة والتّأقلم مع البيئة المحيطة. كيف نحافظ على الّلغة كجذر للهويّة، وفي الوقت ذاته نهيّئ أبناءنا للتنقّل بين لغتين وثقافتين؟ كيف نجعلها جسرًا بدل أن تتحوّل إلى فجوة؟ (Al-Krenawi, 2016; Medina-Alawil et al., 2021)


العلاج في سياق الصّدمات – نموذج CCTIM وتكييفه محليًّا

يأتي نموذج CCTIM (Community, Culture, and Trauma-Informed Model) كإطار مرن يمكن تكييفه مع واقعنا العربي الفلسطيني داخل إسرائيل:

الثّقافة والهويّة: استخدام اللّغة العربيّة، الرّموز المحليّة، والتّراث لتعزيز الانتماء والهويّة.

الأسرة والمجتمع: توسيع العلاج ليشمل العائلة، لأن المجتمع العربي يتميّز بالطّابع الجماعي (collectivism).

الأزمات المستمرّة: التّعامل مع التّراكم التّاريخي (النّكبة، الانتفاضات) إلى جانب الأحداث اليّوميّة الصّادمة مثل العنف والجريمة.

الوسائط التّعبيريّة: الفن، اللّغة، والموسيقى كأدوات للتّعبير عن المشاعر الّتي يصعب التّعبير عنها بالكلمات.


أمثلة:

· الرّسم والتّلوين: طفل يرسم مكانًا غريبًا ويقول: هذا المكان اللي بحس فيه بالأمان”.

· اللّعب بالطّين: طفل يصنع مجسّمًا لعائلته أو بيته للتّعبير عن مشاعر الغربة أو الحماية أو الصّراع.

· الحركة والموسيقى: جلسة حركيّة أو عزف موسيقى حرّة يسمح بتفريغ التّوتّر الجسدي والعاطفي.

· الاستمراريّة وربط العلاج بالحياة اليوميّة: بعد جلسة رسم، يُطلب من الطّفل التّعبير عن نفس الشّعور في البيت أو المدرسة باستخدام الأدوات الّتي تعلمها.

بعد صنع قناع أو مجسّم، يناقش الطّفل مع والديه كيفيّة استخدام الأدوات الرّمزية في البيت للتّعامل مع التّوتّر، مثل التّلوين أو تشكيل شيء عند الشّعور بالخوف أو الغضب، مما يحوّل العلاج من جلسة منفصلة إلى مهارة عمليّة في الحياة اليّوميّة (Lustig et al., 2024). بهذا التكيّف، يصبح نموذج CCTIM أكثر حساسيّة لخصوصيّة المجتمع العربي، ويمنح الوالدين والأسر أدوات عمليّة لبناء حصانة نفسيّة رغم الظّروف الصّعبة والتّحدّيات اليّوميّة.


خاتمة – الأمومة كفعل مقاومة

الأمومة ليست مجرّد دور بيولوجي أو اجتماعي، إنّها فعل مقاومة، صوت مقدّس، ومسار إبداعي. كأمّهات ومعالجات نحمل في ذواتنا طبقات متشابكة: حماية الأطفال، مرافقة المجتمع، ومواجهة صراع الهويّة اليّومي. وبين البيت والغرفة العلاجيّة، يتواصل الحوار بين الخاص والجماعي، بين الألم والإبداع.


تبقى أسئلة مفتوحة:

·     كيف نعيد تعريف الأمومة لتكون حصنًا لأطفالنا؟

·     كيف نزرع الأمان الدّاخلي حين يغيب الأمان الخارجي؟

·     وكيف نحوّل لغتنا وتراثنا وفنوننا إلى أدوات علاجيّة لبناء الحصانة النّفسيّة؟



ree

المراجع (APA)

Al-Krenawi, A. (2016). Mental health practice in Arab countries. Current Opinion in Psychiatry, 29(6), 350–354.

Haj-Yahia, M. M. (2000). Implications of wife abuse and battering for self-esteem, depression, and anxiety as revealed by the second Palestinian national survey on violence against women. Journal of Family Issues, 21(4), 435–463.

Jabr, S. (2019). Counselling in conflict: The use of narrative and creative approaches in Palestine. British Journal of Guidance & Counselling, 47(3), 362–373.

Lustig, S. L., Medina-Alawil, K., & Khamaisi, R. (2024). Cultural sensitivity in art therapy with Arab youth in Israel: Challenges and possibilities. Arts in Psychotherapy, 86, 102006.

Medina-Alawil, K., Haj-Yahia, M. M., & Dwairy, M. (2021). Contextual and cultural adaptations in psychotherapy with Arab clients: A clinical perspective. Journal of Contemporary Psychotherapy, 51(2), 133–144.



مجد سليمان-عيسى מאג'ד סאלימן עיסא: majd.sliman@gmail.com


 

תגובות


bottom of page